تحقيقات

الشائعات ..المشكلة والحل

 

تحقيق  احمد ابو الوفا صديق

تعتبر الشائعات من أخطر الأسلحة المدمرة للمجتمعات والأشخاص، فكم قتلت الإشاعة من أبرياء، حطمت من عظماء، وتسببت في جرائم، وقطعت من علاقات بين أفراد الأسرة الواحدة، وكم هزمت الإشاعة من جيوش على مر التاريخ!
_وللأسف الشديد _ لا تكاد تشرق شمس يوم جديد إلا ونسمع الكثير من الشائعات هنا وهناك ،وعن تاريخ الشائعات وخطورتها من الناحية الدينية والنفسية وأسبابها وطرق علاجها والحد منها كان هذا التحقيق :

فى البداية يذكر الشيخ محمد حسن داود من علماء وزارة الأوقاف تاريخ الشائعات فبقول :
إن الناظر في سطور التاريخ والسير يجد أن تاريخ الشائعات قديم قدم الزمان، ينشب مخالبها ويروجها ضعاف النفوس، حتى ان الأنبياء (عليهم السلام) لم يسلموا منها، فقد أثيرت حولهم الشائعات، والأكاذيب، والافتراءات، قال تعالى (كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) الذاريات 52/53)، فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ تجد نبي الله نوح (عليه السلام) وقد توجهت إليه سهام الشائعات من قومه بعدة أكاذيب؛ منها انه يريد أن يتفضل عليهم، كما أشيع انه في ضلالة، بل واتهم بالجنون، قال تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ * إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّىٰ حِينٍ )المؤمنون 23-25) وهذا نبي الله هود (عليه السلام) يشاع عنه الكذب والسفاهة قال تعالى (وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ )الأعراف 65/66) كما لاقى النبي (صلى الله عليه وسلم) من كيل الشائعات الكثير والكثير، فقيل شاعر وقيل مجنون، ومن مكانة النبي (صلى الله عليه وسلم) أن تولى الله (جل وعلا) الرد عنه، ومن ذلك قوله تعالى (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) القلم1، 2) ولا شك أن تلك الشائعات كانت من المعوقات في طريق دعوتهم عليهم الصلاة والسلام.
وبسؤاله عن ضرر الشائعات أكد الشيخ محمد داود : إن ضرر الشائعات على الأفراد والمجتمعات خطير؛ فهي من أكثر ما يضر بأمن واستقرار المجتمعات، وهي من أعظم الوسائل المؤدية إلى الفتنة والوقيعة بين الناس، فكم أقلقت من أبرياء، وكم هدمت من بيوت وشردت أطفال ،وكم ضيعت من أموال، وكم تسببت في جرائم، وكم فككت علاقات وصداقات، وكم قتلت آمال وأحلام، وكم أوهنت من عزيمة وأضعفت من همة، ولسنا مبالغين إن قلنا إن حادثة الافك كانت لها أثرها المؤلم في قلب الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأهل بيته وجميع من عاصرها من المسلمين، إذ مكث مجتمع المدينة بأكمله وقتها يصطلي نار تلك الشائعة، حتى نزل الوحي بآيات تتلى إلى يوم الدين، لتطيب القلوب والنفوس وليعلو صوت الحق فوق أصوات الباطل، وعليه استطيع أن أقول إن الشائعات سهام مسمومة في مقدورها أن تعصف بأسرة أو مجتمع في ساعة من الزمن، بل اقل، لذلك كان من الواجب كل الواجب علينا أن نحفظ ألسنتنا، وان نعى قول الله (جل وعلا) (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ق 15)، وقول النبي (صلى الله عليه وسلم) “وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ”. رواه الترمذي وقال: حسن صحيح)
وفى الختام يذكر الشيخ داود منهج الاسلام فى الوقاية من هذا الخطر العظيم :
ولقد وضع الإسلام منهجا حكيما لوقاية المجتمع من خطر الشائعات، فأمر بالتثبت من الأخبار، قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) الحجرات6) وعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) عن النَّبيِّ (صلى الله عليه وسلم) أنه قال” التَّأنِّي مِن الله، والعَجَلة مِن الشَّيطان” رواه البيهقي وأبو يعلى) وفى مستدرك الحاكم أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ” التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ خَيْرٌ إِلَّا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ “. كما نهى عن ترديد الشائعات أو إذاعتها والخوض فيها مع الخائضين، لأن في ترديدها مساهمة في ترويجها من حيث تدري أو لا تدري، وذلك فيه مساعدة المغرضين بقصد أو بغير قصد، قال الله جل وعلا (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ)النور15) ويقول رسولنا الكريم (صلى الله عليه وسلم)” كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ” وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم): إِنَّ اللَّهَ تعالى يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا, وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ, وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ, وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ, وَإِضَاعَةِ الْمَالَ” رواه مسلم) كما دعا الٌسلام إلى حسن الظن بالآخرين، قال تعالى ﴿ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ﴾ النور 12) ويقول الحق سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ﴾الحجرات 12) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ: “إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ،…” متفق عليه) وما أروع موقف أبو أيوب الأنصاري لما ذكرت له زوجته، ما يقول أهل الإفك، قال” يا أم أيوب، أكنتِ تفعلين ذاك؟ قالت: لا، والله، قال: فعائشة والله خير منك وأطيب “.
ومن ثم فالواجب على كل مخلص لدينه ولوطنه أن يحذر الوقوع في مخالب الشائعات فليكن منهجه في حديثه قول الرسول (صلى الله عليه وسلم)”وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ” متفق عليه) وليكن منهجه في سمعه قول الله (عز وجل) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)الحجرات6).
وعن الشائعات من الناحية النفسية والتربوية تقول ريهام عبدالرحمن_ خبير الإرشاد الأسرى والتطوير الذاتي_
الشائعات بمثابة الحرب النفسية التي تسري في جسد المجتمع ، وتستوطن فيه وتخلف من ورائها فساد في الفكر وانعدام الثقة بين أفراده .
فإذا كانت الحروب بالأسلحة تستهدف جسد الإنسان وأرضه ، وهويته فإن هذه الحرب الفكرية المستمرة تستهدف عمقه ونفسه وعقله؛ ولعل أبرز أنواع الشائعات هي ما يتعلق بأمن الناس حيث تؤثر هذه الشائعات علي حياتهم وخاصة علي الوضع الاقتصادي والاجتماعي والأمني فتنشر الفوضى بين أوساط المجتمع…..
وعن أسباب انتشارها تذكر ريهام عبد الرحمن قائلة :
ولعل من أهم أسباب انتشار الشائعات بين الناس 1- الجهل بمصدر المعلومة وعدم إعطاء الإنسان نفسه الفرصة الكافية لنقد الخبر وتحليله ومحاولة فهمه والبحث عنه ، هل هو صحيح أم مجرد خبر لجذب الإنتباه!!
2- فضول بعض فئات المجتمع وخاصة المراهقين فى تقليب الأخبار وبالتالى زيادة التعليقات عليها دون إدراك أو وعي ، مما يخدم مصالح مروجي الشائعات وهنا يجب على الأهل متابعة الأبناء وتوجيههم ؛
إضافة إلى سوء استخدام مواقع التواصل الإجتماعي بجميع مسمياتها ، حيث أصبحت هذه المواقع مكانا لنشر الفوضى واجتذاب المتابعين من خلال العناوين الفاضحة لبعض فئات المجتمع وغياب الوازع الديني والضمير الإنساني….
وعن دور الأسرة فى صد الشائعات المغرضة والتحقق منها تقول :
يجب على الأسرة الحفاظ على أبنائها من الانجراف وراء هذه الشائعات المغرضة وذلك من خلال…
* تنمية مهارات القراءة لدي الأبناء منذ الصغر فالقراءة توسع خيال الطفل وتدرب الإنسان على مهارات النقد والتحليل للمعلومة فلا يصدق كل ما يقال..
* خاطبوا أبنائكم على قدر عقولهم من خلال حوار يتسم بالصدق والصراحة المغلفة بالاحترام والتقدير لوجهات النظر الأخرى.
* مشاركة الأبناء في اتخاذ بعض القرارات داخل الأسرة لنغرس بداخلهم مهارة تحمل المسئولية.
* التوعية بخطورة نقل الأخبار دون التأكد من مصدرها وذلك من خلال التربية بالقدوة
كونوا قدوة لأبناءكم في نشر الخير..
* تشجيع الأبناء على الاستخدام الأمثل لمواقع التواصل الاجتماعي وذلك من خلال متابعة الأسرة للأبناء وعدم تركهم فريسة للشائعات وحثهم على استغلال أوقاتهم في كل ما هو نافع ومفيد..
* كذلك فالمدرسة والإعلام وجميع مؤسسات الدولة لها دور كبير في مواجهة الشائعات وتوعية الشباب بمخاطرها لكونها حرب نفسية الهدف منها نشر الفوضى والفساد في المجتمع. فلنحذر……
وعن تعريف الشائعة والهدف منها تقول الداعية منال المسلاوى_ الواعظة بوزارة الاوقاف_:
الشائعة : هى أخبار غير صادقة يتم تداولها بين الناس وتنتشر بسرعة كبيرة، وقد يكون الهدف منها إيذاء الأشخاص أو إحداث بلبلة فى المجتمعات، فالشائعة لها خطورة كبيرة ليس على مستوى الأفراد فقط بل قد يتعدى خطرها للمجتمعات، وتتسبب الشائعة فى إشعال الفتنة بين الأفراد وبعضها أو بين الحكومة و الشعب، فالشائعة ما هى إلا قنبلة موقوتة عند تفجيرها تدمر ما حولها، وقد يكون مصدر الشائعة أبواق تصفق للباطل، والشائعة هى أداة للوقيعة بين الأفراد وإشاعة الفتنة وقد حذرنا الله عز وجل من خطورة الفتنة فى قوله تعالى :
( والفتنة أشد من القتل ) لما قد يكون فيها من مساس بأعراض المسلمين و إفشاء لأسرارهم الخاصة وحدد لنا القرآن الكريم مصير مطلق الشائعة فى الآخرة فى قول الله عز وجل : ( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا لهم عذابٌ أليم فى الدنيا و الأخرة ) سورة النور : أية ١٩ .
وتتسبب الشائعة فى إشاعة حالة من الفوضى و الإضطراب فى المجتمع وهذا ما نعانى منه فى مجتمعنا المصرى من كثرة الشائعات فى الفترات الأخيرة، فمصدر الشائعة فى البداية هو كلمة و الكلمة الإسلام وضع لها ضوابط تحكمها منها قول النبى “صلى الله عليه وسلم” :
( من كان يؤمن بالله و اليوم الأخر فليقل خيراً أو ليصمت ) .
( من حُسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه ) .
( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ).
فكلها ضوابط وضعها الإسلام فى البداية لتستقيم منها الكلمة فإذا تدبر مطلق الشائعة هذه الضوابط وعلم خطورة الشائعة على الفرد و المجتمع لتراجع عن إطلاق الشائعات، وليعلم مطلق الشائعة و مروجها أنه مراقب من الله عز وجل فى كلمة يقولها ( ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد ) ق : أية ١٨.
و إذا تصفحنا التاريخ لوجدنا أن الشائعات نالت من الأنبياء و الصالحين حتى أن سيدنا محمد ” صلى الله عليه وسلم” لم يسلم من الشائعات و التشهير به فقد إتهمه قومه بالسحر والجنون والكذب، ونالت الشائعات
من بيت النبوة فكان لأم المؤمنين السيدة عائشة “رضى الله عنها” نصيب من الشائعات إلى أن نزلت براءتها من رب العزة فى سورة النور.
وعن دور وسائل التواصل الإجتماعى فى إنتشار الشائعات و ترويجها تقول الداعية منال المسلاوى:
وللأسف ساعدت وسائل التواصل الإجتماعى فى إنتشار الشائعات و ترويجها بسرعة فائقة وهنا لنا وقفات مع رواد وسائل التواصل الإجتماعى بتنبيه هام و هو حثهم على عدم إعادة نشر أى معلومة إلا بعد التأكد من محتوى المعلومات وصدقها، حتى لا يكونوا سبب فى إشاعة الفاحشة فى المجتمع و التى قد تتسبب فى أضرار إجتماعية أو إقتصادية أو سياسية فقد نهانا الإسلام عن القيل و القال فقال رسول الله “صلى الله عليه وسلم” : ( إن الله كره لكم ثلاثاً : قيل وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال ) .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى