تقارير

لقطاء مطردون من رحمة المجتمع

كتبت-هناء البشيري.

نحن اللقطاء أبناء الليلة الواحدة لن نعرف من ابائنا ومن امهاتنا سوي انهما السبب في وجودنا في الحياة ولم نعرف أين عائلتنا وأين بلدتنا حتي أسمائنا لم نعرفها منبذون في المجتمع ينظرون إلينا نظرة قاتلة ننكر كثيرا حقيقتنا المرة حتي يتقبلنا المجتمع …هذه هي مأساتنا جميعا نحن اللقطاء

عندما أخطأت أمي وعلمت بحملها فكنت انا الضحية توسلت لأبي لكي يصلح غلطته ولكنه رفض ونهرها واغلق بابه في وجهها واتهمها انها المخطئة الوحيدة وليس عليه ذنب …خرجت من عند أبي مخذولة والدموع تأكل قلبها تفكر في التخلص مني بأي شكل من الاشكال …وكلما اصرت أمي في التخلص مني كلما انا تمسكت بها ..هي ارادت لي الموت وانا أردت ان اخرج للحياة وبأت كل محاولاتها بالفشل في إسقاطي فأستسلمت للأمر الواقع المرير وعلمت انه لا مفر من ولادتي، فتوارت من الناس شهورا كي تخفي حملها حتي لا ينفضح أمرها حتي جاء موعد ولادتي وخروجي للحياة ظنيت انها بداية الحياة ولم اعلم انها نهايتي ….سترتني أمي بجلباب صغير الذي يرتديه جميع الاطفال فأنا لم اختلف عنهم في الشكل والملبس ولكني اختلفت عنهم في ضمة حضن أمي كانت كلها حزن وألم وخزي تكاد ان تقتلني لتمحي جرمها ولكن رق قلبها واخذتني برفق وقبلت جبيني فكنت اتدور جوعا وتعالت صرخاتي ضمتني في حضنها ظنيت انها سترضعني وتحنو عليا ولكنها غطتني واعطتني سكاتة في فمي لتكتم صرخاتي … ووضعتني بين ذراعيها وخرجت متخفية في ساعة الفجر وانا لم يظهر مني أي شئ ولم يسمع لي صوت واذا بها تضعني في كرتونة ورقية وتراقب الجميع بأعينها خشية من ان يراها أحد ولكن الله كان يراها وهي لا تعلم ذلك كان كل همها التخلص مني ..وعندما خلا الشارع من المارة وضعتني بجانب صندوق القمامة لأشم رائحتها بدلا من رائحة أمي واتعود عليها وتمشي مسرعة لقد تخلصت من عارها

حتي جاء الصباح وصوت زقزقة العصافير يعم المكان وإذا بكلبا يأتي ليبلل بلسانه وجهي أكاد اجزم ان يأكلني لينهي حياتي واتخلص من العار الذي سيلاحقني عندما أكبر ولكن الكلب لم يفعلها وتركني وحيدا وانا في صمت رهيب من” الخوف والوحدة والقهر والجوع إيضا واذا بجسمي يرتجف من البرد” لأنني في الهواء الطلق ولم يمر علي ولادتي ساعات واذا برجل مسن يأتي ليحدفني بفضلات القمامة وهو لم يراني حتي غطي وجهي بقايا أطعمة بالية فصرخت لأعلن عن وجودي بينكم فصرخت حتي تعلموا انني علي قيد الحياة لماذا كل هذا الظلم الذي لحق بي فأنا لم افعل أي شئ ”
أريد ان اعيش بكرامة او اموت بسلام”

فجاؤا بعض المارة ليتتبعوا صوتي ويشيلوا عني فضلات القمامة ليكشفوا عن وجهي، ففزع الجميع عندما رأوني..
كما فزعت امي وفزع أبي من قبل عندما علم بقدومي…

فنظر إلي الجميع ومنهم من ردد لا حول ولا قوة إلا بالله ومنهم من خشي ان يلمسني ومنهم من نفض عني التراب والفضلات وضمني إليه يكاد قلبه يقطر دما من شدة الحزن والآلم ومنهم من اخذني الي قسم الشرطة وانا اصرخ في صمت انا لست بمذنب كي أذهب الي قسم الشرطة …انظروا الي تلك الإمرأة التي تراقبني من بعيد متخفية فهي أمي اتركوني وخذوها فهي المذنبة التي جعلتني اعيش الحياة وانا سجين محروم من ابسط حقوقي .

فأما عن امي فذهبت مسرعة تلتفت ورائها ليطمئن قلبها ان لا أحد رأها لتتصل بأبي لتخبره انها تخلصت مني ليطمئن قلبه هو أيضا ويطوي صفحتهم للأبد ويبدئوا حياتهم الجديدة مع ابنائهم الجدد فكلا منهم أصبح له حياته ولم يعد يتذكروا تلك الغلطة التي دفعت انا ثمنها
فأما أنا فلا تسألوا عن حالي فالجميع يعرفنا جيدا نحن المطردون من رحمة المجتمع نحن اللقطاء .

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى